الأخبار ـ محمد وهبة
لم يرد في النسخة الأخيرة المسرّبة من خطّة إعادة هيكلة القطاع المصرفي، ما يشير مباشرة أو مواربة إلى وجود توزيع للمسؤوليات رغم تعدّد خيارات توزيع الخسائر المبني على «التسوية» بين الأطراف المعنيين، والتي يكون فيها للمصارف «تمييز» إيجابي عن سائر الأطراف، بأنها معفاة بالكامل من المسؤولية القانونية وبشكل كبير من المسؤولية المالية، عما ارتبكته بحقّ المودعين. بل بدا أن هذه الخطة، تتبنّى سردية المصارف عن وجود «أزمة نظامية» أتت فجأة من العدم ودفعت كل المصارف إلى الإفلاس من دون أي سابق إنذار كأنه كارثة طبيعية خارجة عن سيطرتها وعن معرفتها.
تسوية كهذه، إذا مرّت، سواء بهذه الخطة أو غيرها، هي كارثة بحدّ ذاتها، وتعبّر عن استمرار تموضع المصارف في قلب مركز النفوذ. المصارف هي المؤسّسات الأكثر تعبيراً عن امتداد مراكز النفوذ بين مؤسّسات الحكم وبين قوى السوق، إذ دائماً ما كانت القوى السياسية ممثّلة في مجالس إدارات المصارف، بينما كان المصرفيون ممثّلين دائماً في الحكومات، ودائماً ما كان مصرف لبنان مهيمناً على السياسات الاقتصادية انطلاقاً من أولويات السياسة النقدية بالتعاون والتكامل مع قوى الحكومة والمصارف.
ما يدفع إلى اعتبار النسخة الأخيرة من خطّة إعادة هيكلة القطاع المالي، أنها «تسوية» أو «صفقة» ترمي إلى توزيع للخسائر على حساب توزيع المسؤوليات، هي الحسابات النهائية لها. فهي تشمل تسوية 86 مليار دولار من الودائع غالبيتها تقع على عاتق المودعين، بينما لن تتحمّل المصارف سوى قسم بسيط منها بالتقسيط، ومصرف لبنان سيتحمّل أعباء نقدية مباشرة لتسديد الودائع إلى جانب أعباء سياساتية في إصدار كميات هائلة من النقد وضخّها في السوق وإدارتها. وستفقد الحكومة عشرات المؤسسات والإدارات العامة التي يخمّن بعضها بقيم مالية هائلة بمليارات الدولارات، فيما بعضها الآخر ينطوي على إمكانات مالية مذهلة ما زالت كامنة.
وبحسب الأرقام المعروضة في خطّة الحكومة الأخيرة، فإن المودع سيتحمّل شطباً مباشراً في الودائع بقيمة 27 مليار دولار (عبر مجموعة إجراءات: إثبات مصدر الثروة، إعادة الفوائد الإضافية، الخسارة الناتجة من تحويل الودائع إلى أسهم وسندات، علماً بأن بعض المودعين المقترضين من المصارف سيتحمّلون أيضاً تسديد فروقات سعر الصرف للقروض المسددة التي تفوق 500 ألف دولار بمعدل 17%)، وسيحصل في المقابل على سلّة متنوّعة من النقد والأسهم والسندات قيمتها الاسمية هي على النحو الآتي: 18.71 مليار دولار مقسطة على 11 سنة بمعدل 2.17 مليار سنوياً. أيضاً سيحصل على 833 تريليون ليرة مقسطة على 11 سنة بمعدل 75.7 تريليون ليرة سنوياً. مجموع ما سيحصل عليه نقداً يبلغ 39.76 مليار دولار منها 52% بالليرة اللبنانية وفقاً لأسعار صرف متعدّدة. وسيحصل على أسهم وسندات مصرفية بقيمة 9.42 مليارات دولار سيتم تسعيرها في ميزانيات المصارف بقيمتها الفعلية البالغة 1520 مليون دولار، أي سيشطب منها 7.9 مليارات دولار. وسيحصل على سندات صفرية القسيمة (زيرو كوبون) بقيمة 11.86 مليار دولار على أن يتم شطب نصفها مباشرة، أي 5.93 مليارات دولار وأن تستحق بعد 20 سنة، أي إن قيمتها الفعلية الكاملة لا يمكن أن تُسترد إلا بعد 20 سنة. اللافت أنه لا يوجد أيُّ ضمانات لأسعار أسهم المصارف ولا لأسعار السندات بكل أنواعها، أي إن نسب الاسترداد غير مضمونة.
إذاً، ما الذي ستتكبدّه المصارف؟ الإجابة أيضاً تأتي من أرقام الخطة التي تشير إلى أن المصارف ستدفع أقلّ من نصف الودائع المضمونة (50% من الودائع المؤهلة و37.5% من الودائع غير المؤهلة)، أي ما مجموعه 8.49 مليارات دولار مقسّطة على 11 سنة، وستضطر من أجل الاستمرار أن تزيد رساميلها بقيمة 2.8 مليار دولار، وسيترتب عليها في ميزانياتها سندات دين بقيمة 600 مليون دولار. هذا كل ما يترتب على المصارف بموجب هذه الخطة. ولن يكون عليها أي التزامات كبيرة سوى ما يتوجب أن تدفعه للمودعين بقيمة 2.17 مليار دولار سنوياً على مدى 11 سنة. وفي المقابل ستتخلص من كل الأعباء المالية والقانونية.
أما مصرف لبنان، فستترتب عليه أعباء غير قليلة. فهو سيدفع نصف الودائع المضمونة المؤهلة بقيمة 5.9 مليارات دولار، وسيدفع أيضاً نصف الودائع المضمونة غير المؤهلة بقيمة 2.59 مليار دولار وعليه أن يغطّي بالتنسيق مع الحكومة إصدارات الليرة اللبنانية المخصصة لسحوبات المودعين السنوية بقيمة 75.7 تريليون ليرة، وبالتالي يتوجب عليه أن يدير كتلة نقدية هائلة سريعة التراكم إلى جانب إدارة أعباء التضخّم واحتمالات تدهور سعر صرف الليرة مقابل الدولار وتأمين الدولارات اللازمة لإنفاق الحكومة. كما عليه أن يقرض الحكومة مبلغ 2.9 مليار دولار من أجل إصدار السندات الصفرية القيمة (زيرو كوبون)، وعليه أيضاً أن يغطّي أي أعباء إضافية لمعالجة ما يتبقى من الودائع بعد كل هذه التسوية عبر إصدار سندات دائمة.